GMT 0:00:00 2010 الأحد 7 فبراير
عدنان حسين
قاعدة مؤكدة وراسخة: المقدمات الخاطئة لا تؤول إلى نتائج صحيحة.
والقرار الذي اتخذته الهيئة التمييزية التابعة لهيئة المساءلة والعدالة في العراق غير سليم، وهو نتيجة طبيعية للإجراءات غير السليمة التي نجم عنها قرار الهيئة الأم (المساءلة) بحظر مشاركة نحو 600 كيان وفرد في الانتخابات البرلمانية المقرر إجراؤها بعد شهر.
هذان القراران غير السليمين هما بدورهما نتيجة منطقية للعملية السياسية الجارية في العراق، والتي كانت مقدماتها في الأساس خاطئة، باعتمادها مبدأ المحاصصة الطائفية، واستخدام الدين والمذهب مطيّة سياسية، وتسييس القوانين والإجراءات التي هدفت إلى منع عودة العراق الى النظام الدكتاتوري الاستبدادي، سواء كان باسم البعث أم بغيره.
الأساس في القضاء العدل، والقضاء الذي لا يحقق العدل ليس بقضاء. والهيئة التمييزية يفترض أنها كيان قضائي، لكنها بقرارها تأجيل تطبيق إجراءات المساءلة والعدالة الى ما بعد الانتخابات، لم تكن عادلة، فهي باعت اليابس بسعر الأخضر، وتساوى لديها المذنب مع البريء، وهذا ما كان أيضا في قرار الهيئة الأم (المساءلة والعدالة) عندما شطبت أسماء المرشحين الـ«ستمئة» بجرّة قلم واحدة، من دون تدقيق وتمحيص وإعطاء وقت كاف للطعون.. بل إن من اتخذ هذا القرار لا يتمتع بما يجب أن يتمتع به شخص في مثل منصبه من أهليّة وصدقية واستقلالية ونزاهة.
واجب الهيئة التمييزية، كما منصوص عليه في قانون المساءلة والعدالة، هو النظر في طعون الطاعنين، والتثبت من صحة وسلامة قرارات هيئة المساءلة (تنظر هيئة التمييز في جميع الطعون المقدمة من قبل المشمولين بالإجراءات المنصوص عليها في هذا القانون). كما ينص القانون، لكن قرار الهيئة القضائية معناه أنها لم تقم بهذا الواجب، فقد سمحت لكل المشطوبين (المذنبون منهم والأبرياء) بخوض الانتخابات!! هذا قرار سياسي بامتياز، ولا علاقة له بالعدل، الذي هو أساس القضاء.
الأعضاء السبعة في الهيئة التمييزية الذين يفترض أنهم من أفضل القضاة لم يفكروا، في ما يبدو، كيف يمكن منع فائزين في الانتخابات من دخول مجلس النواب، بعدما سمح لهم القانون بخوضها وحصلوا على الأصوات الكافية لتمثيل الشعب في البرلمان؟ وكيف يمكن منع نشوب أزمة سياسية كبيرة في البلاد واندلاع أعمال عنف بعد الحؤول دون أن يمارس نواب منتخبون التفويض الذي منحهم إياه الشعب؟
لم يكن الوقت كافيا للهيئة التمييزية للنظر في الطعون.. هذا أمر واضح ومفهوم، وكان على الهيئة أن تعلن هذه الحقيقة وتمتنع عن اتخاذ أي قرار لتترك لمجلس النواب ان يتخذ هو القرار، باعتباره المسؤول الأول عن إدارة العملية السياسية برمتها، وباعتباره الذي يتحمل المسؤولية عن عدم القيام بواجبه طيلة أربع سنوات بتشكيل هيئة العدالة والمساءلة وإصدار قانون الأحزاب وآخر للانتخابات (قانون الانتخابات صدر ناقصا في اللحظة الأخيرة)، وإجراء إحصاء عام للسكان قبل الانتخابات وليس بعدها.
لا يعني عدم سلامة قرار الهيئة التمييزية أن قرار الهيئة الأم (المساءلة والعدالة) كان سليما، ففي الأساس لم تكن هناك هيئة للمساءلة والعدالة، فقد تمسكت القوى المتنفذة في مجلس النواب والعملية السياسية، وهي قوى إسلامية شيعية وسنية، بأن تتشكل هذه الهيئة على أساس المحاصصة الطائفية والحزبية، وحالت الخلافات على مقدار حصة كل واحد منها دون تشكيل الهيئة، وفجأة وجدنا أن القرارات باسم الهيئة، بما فيها قرار شطب نحو 600 مرشح، يتخذها شخص كان موظفا في هيئة اجتثاث البعث الملغاة، بل انه ظل الى ما قبل أشهر قليلة معتقلا لمدة عام كامل داخل العراق، بتهمة الانتماء الى جماعة مسلحة مسؤولة عن اختطاف وقتل العشرات، بينهم مواطنون عراقيون، ولم يطلق سراحه إلا في إطار صفقة آلت الى إطلاق سراح رهائن بريطانيين اتهمت جماعته باختطافهم.. الأنكى أن هذا الشخص مرشح في الانتخابات المقبلة، وهو بهذا في حال خصومة مع المرشحين الذين أصدر قرارا بمنعهم من خوض الانتخابات!!
لا يحدث هذا إلا في العراق «الجديد».. المحاصصي، لكنه أمر طبيعي.. فالمقدمات الخاطئة لا تتئم إلا نتائج على شاكلتها، وما يجري الآن هو بعض من حصاد العملية السياسية الخاطئة التي تقودها القوى الإسلامية، والقائمة على المحاصصة الطائفية، وتسييس الدين والمذهب.. والآتي من هذه القوى، هو أشدّ وأمرّ بالتأكيد.
0 تعليق
-->